تأملات في إدارة العمل الإبداعي (2): احذر داء الكمال
مؤمن محمد
خبير استراتيجيات النمو
محتويات المقال
بالأمس كتبت أولى تأملاتي عن إدارة العمل الإبداعي، فإن لم تكن قرأتها، أنصحك بالاطلاع عليها، واليوم سأتحدث عن ثاني درس تعلمته خلال رحلتي هذه.
حديثي اليوم عن الكمال كداء…
أعلم أنني أشرت إلى هذا الداء في مقالي السابق، ولكنني حين تحدثت عنه، تناولته كعارض ناتج عن تأثرك بصناع المحتوى، أما اليوم فأود الحديث عنه كداء حقيقي، وسمة شخصية لدى بعض المديرين وأصحاب الأعمال، وبسم الله نبدأ …
داء الكمال، كيف يُعطِّل تقدمك؟
لا أنكر أنني أحد المصابين بهذا الداء، ولذلك حين أحدثك عنه، فثق بأنني أكثر شخص تأثر به، ورأيت كيف أنه كفيل بتقييدك في مكانك وألا يدعك تتقدم خطوة إلى الأمام، لمجرد أنك تنتظر “الأفضل”!
ماذا تقول الدراسات العلمية عن فخ الكمالية؟
أظهر تحليل بُعدي شامل (Meta-analysis) شمل 95 دراسة وأكثر من 25,000 موظف ونُشر في Harvard Business Review ومجلة علم النفس التطبيقي، أن السعي وراء الكمال لا يرتبط نهائياً بأي تحسن في الأداء الفعلي للمهام (علاقة تكاد تقارب الصفر: 0.00)، بل يرتبط مباشرة بزيادة القلق والاحتراق النفسي، مما يقود إلى شلل اتخاذ القرار وتعطيل تدفق الأعمال الإبداعية.
وهنا نحن أمام مشكلتين؛ المشكلة الأولى: ما المقصود بهذا “الأفضل”؟ والمشكلة الثانية: من قادر على مجاراتك حتى يقدم لك ما تتصوره أفضل، حتى لو نجحت في تحديده وتصوره!
تكمن المشكلة لدى المصابين بداء الكمال (مثلي) في أن أعينهم تستطيع أن تلحظ بدقة مثيرة للإعجاب أي خلل أو نقص في العمل الذي بين أيديهم، وكثيرًا ما يرونه لكنهم يعجزون عن تحديده أو وصفه.
فتجدنا نقول لك مثلًا: “لم يعجبني”، أو “ليس جيدًا”، أو “ما زال هناك أفضل”! وبالتأكيد فإن هذا الكلام يضع مقدم الخدمة أو الموظف في حيرة، يعقبها غضب وإحباط؛ لأنك من وجهة نظره إما أنك لا تدري ما تريد، أو أنك متشدد ومبالغ بعض الشيء!
والنتيجة هي ذاتها التي رأيناها في المقال السابق: سخط وتوقف للعمل، وفسخ للعقد مع مقدم الخدمة أو الموظف!
ويا حبذا لو زدت الطين بلة، وكان لديك اشتراك في إحدى أدوات الذكاء الاصطناعي (وهذا ما سنتحدث عنه بالتفصيل في مقالي القادم بإذن الله)، وذهبت وأدخلت عليها عمل الزميل وطلبت من الذكاء الاصطناعي أن يعدله أو يحسنه!
هذا الأمر مزعج لأقصى حد صدقني، وإن كنت تفعل ذلك فأنت حقًا بحاجة إلى التوقف فورًا!
حسنًا، وما الحل؟ كيف نتغلب على هذه المشكلة؟
ينقسم طريق علاجك لهذه المشكلة في نفسك إلى شقين، ولن تتمكن أبدًا من علاج هذا الداء ما لم تضع كلا الشقين في اعتبارك معًا.
أولا: المُعالجة العقلية:
هنا يجب عليك أن تؤمن بأن النقص والعيب من خصائصنا نحن البشر، ومن ثم فمهما حاولت وضغطت ووجَّهت، فلن تحصل أبدًا على ما تتخيل أنه كامل، وسيكون هناك دائمًا شيء ناقص أو غير صحيح!
أيضًا يجب أن تؤمن بـ “منحنى التعلم”، وهو أن أي مقدم خدمة مهما بلغت خبرته ومهنيته، فأنت (كشخص، وليس كطبيعة عمل أو مجال) جديد عليه! ولكي يستطيع فهمك وفهم طريقة تفكيرك فهذا يستغرق وقتًا، ولكن بمجرد أن ينشأ بينكما -كما نقول في مصر- “كيمياء”، فسيفهم ما تحبه وكيف يكون الصواب عندك، وسينفذه دون تعديلات كثيرة؛ فالأمر يتطلب منك فقط بعض الصبر.
ما المقصود بمنحنى التعلم (Learning Curve)؟
هو «معدل تقدم شخص ما في تعلم مهارة جديدة»، كما يعرّفه قاموس كامبريدج. ويرصد المفهوم العلاقة بين مستوى الإتقان في مهمة ما وكمية الخبرة أو المحاولات المتراكمة فيها؛ فكلما زادت المحاولات زاد الإتقان، وإن كانت المكاسب تتراجع تدريجياً في المراحل المتقدمة. ويُعَدّ عالم النفس الألماني هرمان إبنغهاوس أول من صاغ هذا المفهوم عام 1885 في أبحاثه التجريبية عن الذاكرة.
وأخيرًا، أن تدرك بأن التعديلات المتكررة (والتي تراها أنت تحسينات) ستحول العمل الجميل رغم نقصه، إلى مسخ، وستكون النتيجة النهائية أسوأ بكثير من أول نتيجة كنت تظن أنها بحاجة إلى تحسين.
ثانيا: المُعالجة العملية
ركزنا في الشق الأول من الحل على طريقة تفكيرك، والآن دعنا نفكر معًا كيف نتخلص من هذا الداء بصورة عملية.
أولًا، يجب عليك أن تُحدّد بالضبط ما تحتاج إلى تعديله في العمل، فأسلوب مثل «مش عاجبني» أو «مش مقتنع بيه» لن يُوصلك إلى شيء. وإن كنت غير قادرٍ على تحديد ما يحتاج إلى تغيير أو تحسين، فأنصحك إما بأن تترك العمل على حاله، أو أن تُريح نفسك وتُغيّر مقدّم الخدمة دون أن تُرهق أعصابه وتُحيّره.
أو الأفضل من ذلك كله، أن تتخلّى عن الإشراف على العمل، وتُفوّض شخصًا خبيرًا ومدركًا وملمًّا بالأمر، يستطيع تحديد الجوانب التي تحتاج إلى تعديل ويقوم بتعديلها.
ثانيا، عليك أن تعلم أن أي تعديلات في أي عمل فني تخضع لمقياسين أساسيين:
المقياس الأول: الحيوية / الخطورة.
المقياس الثاني: السهولة / السرعة.
وبذلك ستقسم كل تعديلاتك التي تراها إلى أربعة أجزاء كما في هذا الجدول:
| سهل | صعب | |
|---|---|---|
| خطيرة | هذه هي التعديلات الخطيرة، التي لا يمكن التغاضي عنها ونشر العمل، وفي الوقت نفسه هي سهلة وسريعة التعديل. | هذه هي التعديلات الخطيرة، التي لا يمكن التغاضي عنها ونشر العمل، لكنها تحتاج إلى وقت وجهد كبيرين. |
| غير خطيرة | تعديلات غير خطيرة، وتأثيرها ضعيف، ومع ذلك فهي سريعة وسهلة. | تعديلات غير حيوية أو خطيرة وتحتاج إلى وقت. |
وفقًا للجدول السابق، أظن أنك عرفت الآن كيف ترتب تعديلاتك، أليس كذلك؟ وحتى إن لم تكن قد عرفت، فأنا أريدك فقط أن تحذر من التعديلات غير الخطيرة أو غير الحيوية، سواء أكانت سهلة أم صعبة؛ لأنها المساحة التي يُستنزف فيها أي شخص لديه سعي مستمر نحو الكمال!
ضع دائمًا هذه المساحة بعد مساحة التعديلات الخطيرة، وابتعد دائمًا وأبدًا عن الربع الرابع: غير الحيوي / الصعب.
بهذا الشكل، ستجد نفسك تقترح تعديلات منطقية، وعملك يمضي ولا يتوقف، كما سيدرك مقدم الخدمة أو الموظف أنك لا ترهقه أو تتصيد له الأخطاء، بل إن تعديلاتك منطقية بالفعل!
خاتمة
وفي الختام أود أن أجدد دعوتي لك للاشتراك في قائمتي البريدية، ليصلك مقالي الثالث الذي سأكتبه بإذن الله بشأن تأملاتي في إدارة العمل الإبداعي، مع تمنياتي لك بالتوفيق دائمًا.
اقرأ أيضاً:
- تأملات في إدارة الأعمال الإبداعية: احذر صُنّاع المحتوى
- ما هو التسويق بالمحتوى؟
- عوامل اختلاف استراتيجية المحتوى
أسئلة شائعة حول داء الكمال في العمل الإبداعي
إضاءات استراتيجية
بنيت هذه التحليلات على تجارب ميدانية حقيقية؛ انضم لتصلك خلاصتها أسبوعياً.
إضاءات استراتيجية
خلاصة التجارب والتحليلات تصلك أسبوعياً. انضم لمجتمعنا المتنامي من المهتمين بالنمو الرقمي.
مجتمع النقاش
شاركنا رأيك أو استفسارك حول هذا الموضوع